‏إظهار الرسائل ذات التسميات المكتبة الاسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المكتبة الاسلامية. إظهار كافة الرسائل

هل تعلم لماذا نهانا الرسول صل الله عليه وسلم عن الشرب والاكل واقفا ؟

هل تعلم لماذا نهانا الرسول صل الله عليه وسلم عن الشرب والاكل واقفا ؟

من منا لم يسمع حديث الرسول صل الله عليه وسلم عن نهيه عن الاكل والشرب واقفا ولكن القليل يعلم لماذا نهانا عن هذا الامر وهل الاكل والشرب واقفا فيه ضرر على صحتنا كلنا يعلم ان كل ما ينهانا عليه الله ورسوله كله في مصلحتنا دعونا نتذكر حديث الرسول صل الله عليه وسلم عن نهيه عن الاكل والشرب واقفا  -عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلّم زجر عن الشرب قائماً { رواه مسلم }.

عن أنس وقتادة رضي الله عنه، أن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، أنه نهى أن يشرب الرجل قائماً، قال قتادة: فقلنا فالأكل؟ فقال: ذاك أشر وأخبث { رواه مسلم والترمزي }. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسي فليستقي {رواه مسلم }.   عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائماً وعن الأكل قائماً وعن المجثمة والجلالة والشرب من في السقاء.

دعونا الان نكتشف الاعجاز العلمي ماذا يقول عن الاكل والشرب واقفا
يقول الدكتور عبد الرزاق الكيلاني : أن الشرب وتناول الطعام جالساً أصح وأسلم وأهنأ وأمرأ، حيث يجري ما يتناول الآكل والشارب على جدران المعدة بتؤدة و لطف، أما الشراب واقفاً فيؤدي إلى تساقط السائل بعنف إلى قعر المعدة ويصدمها صدماً، وأن تكرار هذه العملية يؤدي مع طول الزمن إلى استرخاء المعدة وهبوطها و ما يلي ذلك من عسر هضم.

ويرى الدكتور إبراهيم الراوي أن الإنسان في حالة الوقوف يكون متوتراً ويكون جهاز التوازن في مراكزه العصبية في حالة فعالة شديدة حتى يتمكن من السيطرة على جميع عضلات الجسم لتقوم بعملية التوازن والوقوف منتصباً.

وهي عملية دقيقة يشترك فيها الجهاز العصبي العضلي في آن واحد مما جعل الإنسان غير قادر للحصول على الطمأنينة العضوية التي تعتبر من أهم الشروط الموجودة عند الطعام والشراب، هذه الطمأنينة يحصل عليها الإنسان في حالة الجلوس حيث تكون الجملة العصبية والعضلية في حالة من الهدوء والإسترخاء وحيث تنشط الأحاسيس وتزداد قابلية الجهاز الهضمي لتقبل الطعام والشراب وتمثله بشكل صحيح.

ويؤكد الدكتور الراوي : أن الطعام والشراب قد يؤدي تناوله في حالة الوقوف {القيام} إلى إحداث انعكاسات عصبية شديدة تقوم بها نهايات العصب المبهم المنتشرة في بطانة المعدة، وإن هذه الانعكاسات إذا حصلت بشكل شديد ومفاجئ فقد تؤدي إلى إنطلاق شرارة النهي العصبي الخطيرة Vagal lnhibation لتوجيه ضرباتها القاضية للقلب، فيتوقف محدثاً الإغماء أو الموت المفاجئ كما أن الإستمرار على عادة الأكل والشرب واقفاً تعتبر خطيرة على سلامة جدران المعدة وإمكانية حدوث تقرحات فيها حيث يلاحظ الأطباء الشعاعيون أن قرحات المعدة تكثر في المناطق التي تكون عرضة لصدمات اللقم الطعامية وجرعات الأشربة بنسبة تبلغ 95%  من حالات الإصابة بالقرحة.

كما أن حالة عملية التوازن أثناء الوقوف ترافقها تشنجات عضلية في المريء تعيق مرور الطعام بسهولة إلى المعدة ومحدثة في بعض الأحيان آلاماً شديدة تضطرب معها وظيفة الجهاز الهضمي وتفقد صاحبها البهجة عند تناوله الطعام وشرابه.

سبحان الله ما اعظم هذا الدين

قصة صلح الحديبية

قصة صلح الحديبية

روى الإمام البخاري في صحيحه وغيره عن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ قَالَا:

( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةٌ فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ وَسَارَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم- حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ فَقَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم -:
مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ثُمَّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ قَالَ: فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبَرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - الْعَطَشُ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهِكَتْهُمُ الْحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ فَقَالَ بُدَيْلٌ سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا قَالَ:

إِنَّا قَدْ جِئْنَاكُمْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم- فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَلَسْتُمْ بِالْوَالِدِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: أَوَلَسْتُ بِالْوَلَدِ؟ قَالُوا:
بَلَى قَالَ: فَهَلْ تَتَّهِمُونِي قَالُوا: لَا قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظَ فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَرَضَ لَكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِيهِ قَالُوا: ائْتِهِ فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنْ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لَأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: امْصُصْ بِبَظْرِ اللَّاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ قَالَ:

وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَكُلَّمَا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ 
النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم- ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وَقَالَ لَهُ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله 
عليه وسلم - فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ: أَيْ غُدَرُ أَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -:
أَمَّا الْإِسْلَامَ فَأَقْبَلُ وَأَمَّا الْمَالَ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِعَيْنَيْهِ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:

أَيْ قَوْمِ وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- مُحَمَّدًا وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ: دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا:
ائْتِهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -: هَذَا فُلَانٌ وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ فَبُعِثَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ:
دَعُونِي آتِيهِ فَقَالُوا: ائْتِهِ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم -:

هَذَا مِكْرَزٌ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِيُّ  
صلى الله عليه وسلم -:
لَقَدْ سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: هَاتِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْكَاتِبَ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قاتَلْنَاكَ وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ:

وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ:
وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ قَالَ: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: فَأَجِزْهُ لِي قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ: بَلَى فَافْعَلْ قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ: بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ وَهُوَ نَاصِرُهُ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قُلْتُ:

أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: بَلَى أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟ قُلْتُ: لَا قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ بِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ﴾ (سورة الممتحنة آية 10) حَتَّى بَلَغَ: "﴿ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ (سورة الممتحنة آية 10) " فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ رَآهُ: لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ:

يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- تُنَاشِدُهُ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ (سورة الفتح آية 24)، حَتَّى بَلَغَ: "﴿ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ (سورة الفتح آية 26)" وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ وَلَمْ يُقِرُّوا بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ ).

الإسلام يدعو إلى التقدم

الإسلام يدعو إلى التقدم


الإسلام هو هداية الله، وتنظيمه لعباده، بُعِث بتبليغه كلُّ الرسل، وأُنزِل ببيانه كلُّ الكتب، وما كان الرسل بالنسبة إليه، إلا كبُناةِ بيتٍ واحد، يُعِد السابق منهم لعمل اللاحق، ويُكمل اللاحق منهم عملَ السابق، وهكذا أرسل الله رُسله تَتْرى على هذا المنهج، منهج الإعداد للاحق والتكميل للسابق، وظل الأمر يتدرَّج حتى وصلت الإنسانية إلى طَوْر الرشد، واستعدَّت لتلقي النُّظم القوية في بناء الحياة، بناء يتَّفق ونمو الإنسانية، وعندئذ -وفي هذه الفترة- اكتمَلت الوسائل الإلهية لميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
فسَرَتْ بميلاده رُوح النشاط الإنساني، وبدَت في جوانب العالم وفي البيئة التي ولِد فيها آياتُ الإقبال على عهدٍ، تتهيَّأ فيه الإنسانية لاستقبال الصورة الختامية للهداية الإلهية.
هذه الصورة العامة التي لم تدَعْ ناحية من نواحي الحياة، ولا جانبًا من جوانب الإنسان إلا عالَجته، ووضَعت له من المبادئ ما يسمو به إلى أقصى ما قُدِّر له من درجات الكمال، تِلْكُم الصورة الخالدة، التي لا يَكشف النُّضج الإنساني -مهما تقدَّم وارتقى- عن قصورٍ فيها، أو تقصير عما يدفع الإنسان إلى التقدُّم، فضلاً عما يُلبِّي حاجته في مُعترك هذه الحياة. تلكم الصورة العامة الخالدة -التي أُخِذت من مُقتضيات الفطرة الإنسانية، هذه الفطرة التي تنطوي على الشعور بالقوة الوحيدة الغيبيَّة، المحيطة بخصائص ما خلقت، وهذه الفطرة التي يَنتظم واقعها مادةً: كمالها وسعادتها في التمتُّع بخير هذا الكون وأسراره، ورُوحًا: كمالها وسعادتها في التمتُّع بالمعرفة الحقَّة، وبالإشراق الذي يَلحقها من سماء تلك القوة العلمية الحكيمة.
وإنا لا نجد مصدرًا أقدرَ ولا أوضح في التعبير عن كمال تلك الصورة الختامية للهداية الإلهية من كتابها المعجز الخالد، فهو عن جملتها يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، ويقول: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء:105-106]، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3] .
أما عن تفصيلها، فإنها تَنتظم بالاستقراء والتتبُّع الدقيق -أخْذًا من مصدرها المقدس- أربع شُعب: شعبة العقيدة، وشعبة الأخلاق، وشعبة المعاملات، والشعبة الرابعة: شعبة الإنسان في الكون، أو شعبة الكون أمام الإنسان.
فشُعبة العقيدة : تطلب من الإنسان الإيمانَ بمصدر الوجود والخير، وإفراده بالعبادة والتقديس، والدعاء والاستغاثة، وبذلك يَعرف الإنسان نفسه، فلا يَذِلُّ لمخلوق، ولا يَخضع لغير الحق، وتطلب الإيمان بيوم الحساب والجزاء، فيجد الإنسان من ضميره وازعًا يَرقُبه في سرِّه وعلانيته، ويرى الجريمة يَرتكبها في خَلْوته وانفراده، كالجريمة يرتكبها في جَلْوته ومجتمعه، ولا يجد بابًا يَنفُذ منه إلى الجريمة مهما بَعُد عن الأنظار، ومهما خلا ونفسه، وتلك خاصة للتشريع الإلهي، لو آمَن بها المُشرعون وركَّزوها في النفوس، لامتلأ العالم أمنًا واستقرارًا.
وتطلب الإيمان بمعرفة طريق الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وربط به سعادتهم من الملائكة والكتاب والنبيِّين، وقد جاءت العبادات - من صلاة تُذكِّر الإنسان بربه في فترات متعاقبة، وصومٍ يَغرس فيه خُلق الصبر الذي لا بد منه في الحياة، وزكاة يمدُّ بها يد المعونة لأخيه المحتاج، فيتبادلان المحبة، وحج يُحيي به مع إخوانه ذكرى المصلحين الأوَّلين، الذين اصطفاهم الله لإنقاذ عباده من هُوَّة الضلال والمآثِم - جاءت هذه العباداتُ دليلاً شاهدًا على صحة العقيدة، ومَددًا يُغذِّيها ويُقوِّيها.
أما شُعبة الأخلاق، فهي تطلب من الإنسان، أن يهذِّب رُوحه، ويُكمل نفسه بمعاني الإنسانية الفاضلة: إخلاص في العمل، وصدق في القول، ووفاء بالعهد، ورحمة وتعاوُن، وعزيمة وصبر، وقوة في الحق، وما إلى ذلك مما يَحفظ للإنسانية مكانتها.
وليس من ريبٍ في أن هاتين الشُّعبتين -شُعبة العقيدة وشعبة الأخلاق، على حسب ما جاء بهما الإسلام- من أعظم القوى التي ترتكز عليها الإنسانية في رُقيِّها وسعادتها، وليس في واحدة منهما إلا ما يحمل الإنسان على احتمال ما يَكره في سبيل رضا الله، وفي سبيل السمو الإنساني لنفسه ولبني جنسه.
وفي ظل هاتين الشعبتين كان الربَّانيون، وكان الشهداء وكان الصالحون، وبهاتين الشعبتين طهَّر الإسلام القلب الإنساني من الشِّرك والوثنية التي زَعزعت العالم أجيالاً كثيرة، وطهَّر النفس الإنسانية من الحقد والحسد والنفاق، والجبن والكذب والخيانة، التي كثيرًا ما أفسَدت على الناس حياتهم، ومكَّنت فيهم المظالم والطُّغيان.
وهذا إصلاح باطني أساس لكلِّ إصلاحٍ خارجي، ولا بقاء لإصلاح خارجي إلا إذا تركَّز وكان نتيجة وأثرًا لهذا الإصلاح الباطني، ولعل قوله عليه الصلاة والسلام: "ألا وإن في الجسد مُضغة، إذا صلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسَدت فسَد الجسد كله، ألا وهي القلب"، من أقوى العبارات المأثورة في تقرير القضية التالية: صلاح الظاهر نتيجة لصلاح الباطن.
بقِي أمامنا من الشُّعب التي رجعنا إليها الإسلام، شُعبتان: شُعبة النُّظم التي تُساس بها الجماعة، وهي المعروفة في اصطلاحنا بقسم الأحكام، أو بقسم التشريع، وشعبة الإنسان في الكون، وهي المعروفة في اصطلاحنا بتعرُّف خواصِّ الأجسام.
أما شعبة النُّظم، فحسبنا في نهوضها بالإنسان -وفي حمْله على النهوض- أنها مبنية على أساسين، يُؤازرهما أساس ثالث، وثلاثتُها أقوى العُمُد التي تشاد عليها الصروح العالية للمجتمع الإنساني الفاضل؛ المصلحة والعدل تُؤازرهما الشورى الحقَّة الصادقة.
أما مكانة الشورى في الإسلام، فبيِّنة واضحة، تجلَّت في نصوص القرآن، كما تجلَّت في عمل الرسول مع أصحابه، وفي عمل أصحابه بعضهم مع بعض، أما المصلحة، فنراها ماثلة فيما نصَّ عليه من أحكام، ومأمورًا بمراعاتها فيما فوَّض من الأحكام إلى اجتهاد أُولي العلم والمعرفة بوجوه المصالح والنَّفع العام.
أما العدل، فإنا لا نستطيع أن نَظفَر بمبدأ غيره من مبادئ الحياة عُنِيَ به القرآن، وكرَّر الأمر به في صور مختلفة وأساليب متعددة، وحذَّر مخالفته، كيف وقد جعله الله الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب في جميع مراحل الهداية الإلهية؛ {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25].
وفي بناء الإسلام لشُعبة النُّظم والقوانين - على هذه المبادئ الثلاثة: الشورى، والمصلحة، والعدل، بمعانيها التي أبرزها القرآن، ما يجعل الحكم والعدل يَسخر السخرية كلها من العناصر التي بُنِيت عليها شُعبة النظم في الحضارات الحديثة، التي لا تَمُتُّ بمصدرٍ إلى التقديس والخير المطلق.
وإذا امْتلأت النفس البريئة من التعصُّب بقوة هذه الشُّعَب الثلاث -العقيدة، والأخلاق، والنظم- في إنهاض الإنسانية والسَّير بها في طريق التقدُّم، فإليها الشعبة الرابعة، وهي:
شعبة الكون أمام الإنسان:
آثر الله الإنسان على ملائكته لمهمة الخلافة في الأرض، وأظهر قوَّته عنهم في عمارتها، والانتفاع بأسرارها، ثم أشعره -بالعبارة الجليَّة الواضحة- بأنه بسَط أمامه الكون، وسخَّره له؛ ليعمل فيه ويكافح، وكان من ذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29].
سخَّر له الشمس والقمر، وسخَّر له الليل والنهار، وسخَّر له البحار والأنهار، وسخر له الأرض والجبال، وسخر له الأنعام والحيوان، سخَّر له كل ما في الكون، وأمرَه ببحثه والنظر فيه، واستخراج أسراره، والانتفاع بذخائره ونفائسه، ثم حدَّ من طُغيان الإنسان بما يصل إليه من تلك الأسرار، وحذَّره استخدامها في التدمير والتخريب، وطلب إليه أن يستعينَ بها في الإنشاء والتعمير؛ حتى يكون العالم مظهرًا لجُود الله ورحمته بعباده.
وبهذه الشعبة -وقد كثُرت آياتها في القرآن- يُعلن الإسلام أنه دين الحضارة المُعمِّرة لا المُخرِّبة، العادلة لا الظالمة، الرحيمة لا الجبَّارة.
وإذا ما ضُمَّ أثرُ هذه الشعبة إلى آثار الشُّعَب الثلاث الأولى، تجلَّى من غير شكٍّ أن الإسلام ليس دينًا يُساير النهضات الحديثة فحسْب، وإنما هو دين ونظام إلهي، يُنقِّي الحضارات الحديثة من الطُّغيان والتهور، ويدفع الإنسانية -بروح من إيمانها وضميرها- إلى السير في طريق الفضيلة والتعمير، والقضاء على الشرور والمفاسد، إلى أن يأتي أمرُ الله.
هذا هو الإسلام، الذي هو دين العمل والكفاح، والمصلحة والتضحية في سبيل الحق، ونشْر راية السلم على ربوع العالم.
نعم، جرَت كلمات في بعض العصور على بعض ألسِنة هزيلة وأخرى مأجورة، كان من آثارها في الجمهور الغافل تفشِّي رُوح البطالة والتواكل، والإلقاء بالنفس في أحضان الغيب المجهول، وقد عمِلت هذه الكلمات عملها في النفوس باسم "كمال الإيمان"، وباسم "التوكُّل على الله"، وباسم "بركة التسليم للقضاء"، وما إلى ذلك مما صرَف المسلمين عن التفكير في سُنة الحياة الجادة التي كوَّنها الإسلام بهذه الشُّعب الأربع.
وبذلك وقَفت في المسلمين حركة التفكير والعمل، واستخدام ما سُخِّر للإنسان في هذا الكون، كما أُسيئ إلى فَهم المبادئ الإسلامية الصحيحة، فانتابهم الضَّعف، وأُصيبوا بالشلل، وهيَّؤوا للناس أن ينالوهم بما أرادوا، وأن يرموا دينهم بما شاؤوا، وبذلك أساؤوا إلى أنفسهم، وأساؤوا إلى دينهم.
ونرجو أن يجعل الله من ذكرى ميلاد رسول الإسلام محمد عليه السلام ما يبعث المسلمين إلى تفهُّم دينهم على وجه الحق، فيُطهِّروا قلوبهم بالعقائد الصحيحة، ويُزكِّوا نفوسهم بالأخلاق الفاضلة، ويَسُوسوا أنفسهم بنُظم الله المحقِّقة للمصالح والعدل بين الناس، ويعمروا الكون بما سخر لهم في الحياة؛ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد:16-17].

الشيخ محمود شلتوت
27/03/2014

ذكاء الإمام الشافعي .. رحمه الله


ذكاء الإمام الشافعي .. رحمه الله


كان هناك مجموعة من العلماء يحقدون على الإمام الشافعي ويدبرون له المكائد عند الأمراء .. فأجتمعوا وقرروا أن يجمعوا له العديد من المسائل الفقهية المعقدة لإختبار ذكائه .. فاجتمعوا ذات مرة عند الخليفة الرشيد الذي كان معجبًا بذكاء الشافعي وعلمه بالأمور الفقهية وبدأوا بإلقاء الأسئلة والفتاوى في حضور الرشيد

فسأل الأول : ما قولك في رجل ذبح شاة في منزله ثم خرج في حاجة فعاد وقال لأهله : كلوا أنتم الشاة فقد حرمت علي .. فقال أهله : علينا كذلك

فكر قليلاً فأجاب الشافعي : إن هذا الرجل كان مشركاً فذبح الشاة على اسم الأنصاب وخرج من منزله لبعض المهمات فهداه الله إلى الإسلام وأسلم فحرمت عليه الشاة وعندما علم أهله أسلموا هم أيضاً فحرمت عليهم الشاة كذلك.

وسُئل : شرب مسلمان عاقلان الخمر .. فلماذا يُقام الحد على أحدهما ولا يُقام على الآخر ؟
فكر قليلاً : فأجاب إن أحدَهما كان صبياً والآخرُ بالغاً.

وسُئل : زنا خمسة أفراد بإمرأة .. فوجب على أولِهم القتل .. وثانيهم الرجم .. وثالثِهم الحد .. ورابعِهم نصفُ الحدِّ .. وآخرهم لا شيء ؟
فكر قليلاً فأجاب : استحل الأولُ الزنا فصار مرتدًا فوجب عليه القتل .. والثاني كان محصناً .. والثالثُ غيرَ محصنٍ .. والرابعُ كان عبداً .. والخامسُ مجنوناً.

وسُئل : رجل صلى ولما سلم عن يمينه طلقت زوجته !! .. ولما سلم عن يساره بطلت صلاته !! .. ولما نظر إلى السماء وجب عليه دفع ألف درهم ؟

فكر قليلاً ثم قال الشافعي : لما سلم عن يمينه رأى زوج امرأته التي تزوجها في غيابه فلما رآه قد حضر طلقت منه زوجته .. ولما سلم عن يساره رأى في ثوبه نجاسة فبطلت صلاته .. فلما نظر إلى السماء رأى الهلال وقد ظهر في السماء وكان عليه دين ألف درهم يستحق سداده في أول الشهر.

وسُئل : ما تقول في إمام كان يصلي مع أربعة نفر في مسجد فدخل عليهم رجل .. ولما سلم الإمام وجب على الإمام القتل وعلى المصلين الأربعة الجلد ووجب هدم المسجد على أساسه ؟
فكر قليلاً فأجاب الشافعي : إن الرجل القادم كانت له زوجة وسافر وتركها في بيت أخيه فقتل الإمام هذا الأخ وأدعى أن المرأة زوجة المقتول فتزوج منها .. وشهد على ذلك الأربعة المصلون .. وأن المسجد كان بيتًا للمقتول .. فجعله الإمام مسجدًا !.

وسُئل : ما تقول في رجل أخذ قدح ماء ليشرب .. فشرب حلالاً وحرم عليه بقية ما في القدح ؟
فكر قليلاً فأجاب : إن الرجل شرب نصف القدح فرعف ( أي نزف ) في الماء المتبقي .. فاختلط الماء بالدم فحرم عليه ما في القدح !.

وسُئل : كان رجلان فوق سطح منزل .. فسقط أحدُهما فمات فحرمت على الآخر زوجته ؟
فكر قليلاً فأجاب : إن الرجل الذي سقط فمات كان مزوجاً ابنته من عبده الذي كان معه فوق السطح .. فلما مات أصبحت البنت تملك ذلك العبدَ الذي هو زوجها فحرمت عليه.

إلى هنا لم يستطع الرشيدُ الذي كان حاضرًا تلك المساجلة أن يخفي إعجابه بذكاء الشافعي وسرعة خاطرته وجودة فهمه وحس إدراكه .. وقال لبني عبد مناف : لقد بينت فأحسنت وعبرت فأفصحت وفسرت فأبلغت
فقال الشافعي : أطال الله عمر أمير المؤمنين إني سائل هؤلاء العلماء مسألة فإن أجابوا عليها فالحمد لله وإلا فأرجو أمير المؤمنين أن يكف عني شرهم فقال الرشيد لك ذلك وسلهم ما تريد يا شافعي ..

فقال الشافعي : مات رجلٌ وترك 600 درهم .. فلم تنل أخته من هذه التركة إلا درهمًا واحدًا .. فكيف كان الظرف في توزيع التركة ؟؟ فنظر العلماء بعضُهم إلى بعض طويلاً ولم يستطع أحدهم الإجابة على السؤال فلما طال بهم السكوت طلب الرشيد من الشافعي الإجابة

فقال الشافعي : مات هذا الرجل عن ابنتين وأم و زوجة واثني عشر أخاً وأختٍ واحدةٍ .. فأخذت البنتان الثلثين وهما 400 درهم .. وأخذت الأم السدسَ وهو 100 درهم .. وأخذت الزوجة الثمنَ وهو75 درهم .. وأخذ الإثناعشر أخاً 24 درهمًا فبقي درهم واحد للأخت فتبسم الرشيدُ وقال : أكثر الله في أهلي منك .. وأمر له بألفي درهم فتسلمها الشافعي ووزعها على خدم القصر .

مفاتيح للسعادة في الدنيا والأخره ... برالوالدين



وتأمل قول الله تعالى: {فلا تقل لهما أفٍ .. "23" } (سورة الإسراء) وهي لفظة بسيطة أقل ما يقال، وهذه لفظة قسرية تخرج من صاحبها قهراً دون أن تمر على العقل والتفكير، وكثيراً ما نقولها عند الضيق والتبرم من شيء، فالحق سبحانه يمنعك من هذا التعبير القسري، وليس الأمر الاختياري. و(أف) اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، وهذه الكلمة تدل على انفعال طبيعي، ولكن الحق سبحانه يحذرك منه، ويأمرك بأن تتمالك مشاعرك، وتتحكم في عواطفك، ولا تنطق بهذه اللفظة.

ومعلومة أنه سبحانه إذا نهاني عن هذه فقط نهاني عن غيرها من باب أولى، ومادامت هي أقل لفظة يمكن أن تقال. إذن: نهاني عن القول وعن الفعل أيضاً. ثم أكد هذا التوجيه بقوله: {ولا تنهرهما .. "23" } (سورة الإسراء)

والنهر هو الزجر بقسوة، وهو انفعال تالٍ للتضجر وأشد منه قسوة، وكثيراً ما نرى مثل هذه المواقف في الحياة، فلو تصورنا الابن يعطي والده كوباً من الشاي مثلاً فارتعشت يده فأوقع الكوب فوق سجادة ولده الفاخرة، وسريعاً ما يتأفف الابن لما حدث لسجادته، ثم يقول للوالد من عبارات التأنيب ما يؤلمه ويجرح مشاعره. إذن: كن على حذر من التأفف، ومن أن تنهر والديك، كن على حذر من هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان دون فكر، ودون تعقل. ثم بعد أن هذا النهي المؤكد يأتي أمر جديد ليؤكد النهي السابق: {وقل لهما قولا كريماً "23"} (سورة الإسراء)

وفي هذا المقام تروى قصة الشاب الذي أوقع أبوه إناء الطعام على ثيابه، فأخذ الولد يلعق الطعام الذي وقع على ثوبه وهو يقول لوالده: أطعمك الله كما أطعمتني، فحول الإساءة إلى جميل يحمد عليه.

والآخر الذي ذهب يتمرغ تحت أقدام أمه، فقال له: كفى يا بني، فقال: إن كنت تحبينني حقاً فلا تمنعيني من عمل يدخلني الجنة. والقول الكريم هنا نوع من التصرف واللباقة في معاملة الوالدين خاصة حال الشيخوخة التي قد تقعد صاحبها، أو المرض الذي يحتاج إلى مساعدة الغير، والأولاد هم أولى الناس بإعالة الوالدين في هذه الظروف، حيث سيبدو من الإنسان ما لا يصح الإطلاع عليه إلا لأولاده وأقرب الناس إليه. وهب أن الوالد المريض أو الذي بلغ من الكبر عتياً يريد أن يقضي حاجته، ويحتاج لمن يحمله ويقعده ويريحه، وينبغي هنا أن يقول الابن لأبيه: هون عليك يا والدي، وأعطني فرصة أرد لك بعض جميلك علي، فلكم فعلت معي أكثر من هذا. وهو مع ذلك يكون محباً لوالده، رفيقاً به، حانياً عليه لا يتبرم به، ولا يتضجر منه، هذا هو القول الكريم الذي ينتقيه الأبناء في المواقف المختلفة. فمثلاً: قد يزورك أبوك في بيتك وقد يحدث منه أن يكسر شيئاً من لوازم البيت، فتقول له في هذا الموقف: فداك يا والدي، أو تقول: لا عليك لقد كنت أفكر في شراء واحدة أحدث منها. أو غيره من القول الكريم الذي يحفظ للوالدين كرامتهما، ولا يجرح شعورهما.


وكثيراً ما يأتي المرض مع كبر السن، فترى الوالد طريح الفراش أو مشلولاً ـ عافنا الله وإياكم ـ لذلك فهو في أمس الحاجة لمن يخفف عنه ويواسيه، ويفتح له باب الأمل في الشفاء ويذكره أن فلاناً كان مثله وشفاه الله، وفلاناً كان مثله وأخذ الله بيده، وهو الآن بخير، وهكذا. ومع هذا، كن على ذكر لفضل الوالدين عليك، ولا تنس ما كان عندهما حال طفولتك من عاطفة الحب لك والحنان عليك، وأن الله تعالى جعل هذه العاطفة الأبوية تقوى مع ضعفك، وتزيد مع مرضك وحاجتك، فترى الابن الفقير محبوباً عن أخيه الغني، والمريض أو صاحب العاهة محبوباً عن الصحيح، والغائب محبوباً عن الحاضر، والصغير محبوباً عن الكبير، وهكذا على قدر حاجة المربي يكون حنان المربي.

إذن: نستطيع أن نأخذ من هذا إشارة دقيقة يجب ألا نغفل عنها، وهي: إن كان بر الوالدين واجباً عليك في حال القوة والشباب والقدرة، فهو أوجب حال كبرهما وعجزهما، أو حال مرضهما.

ثم يرشدنا الحق سبحانه إلى حسن معاملة الوالدين، فيقول: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا "24" ) (واخفض): الخفض ضد الرفع. (جناح الذل): الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويرفرف به، إن أراد أن يطير، ويخفضه إن أراد أن يحنو على صغاره، ويحتضنهم ويغذيهم.

وهذه صورة محسة لنا، يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو عليهم، ونخفض لهم الجناح، كناية عن الطاعة والحنان والتواضع لهما، وإياك أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما متعالياً على غيره. وكثيراً ما يعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور، ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه، ويزقهم الغذاء يرى عجباً، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره، وليس لديهم اللعاب الذي يناولانهم غذاءهم جاهزاً يسهل بلعه، وإن تيسر لك رؤية هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراصون فرحة وسعادة. إذن: قوله تعالى: {جناح الذل .. "24" } (سورة الإسراء)

كناية عن الخضوع والتواضع، والذل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة، يقول تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين .. 
"54"} (سورة المائدة) فلو كان الذلة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين، ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل {أعزة على الكافرين .. "54" } (سورة المائدة) أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم. وفي آية أخرى يقول تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم .. "29" } (سورة الفتح) لأن الخالق سبحانه لم يخلق الإنسان رحيماً على الإطلاق ولا شديداً على الإطلاق، بل خلق في المؤمن مرونة تمكنه أن يتكيف تبعاً للمواقف التي يمر بها، فإن كان على الكافر كان عزيزاً، وإن كان على المؤمن كان ذليلاً متواضعاً.

ونرى وضوح هذه القضية في سيرة الصديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وقد عرف عن الصديق اللين ورقة القلب والرحمة، وعرف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة والقوة، فكان عمر كثيراً ما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين: "إئذن لي يا رسول الله أضرب عنقه".

وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير لطبيعته، فكان من رأي عمر ألا يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة، في حين رأى الصديق محاربتهم والأخذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة الإسلام، ويذعنوا لأمر الله تعالى فقال: "والله، لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لجالدتهم عليه بالسيف، والله لو لم يبق إلا الزرع".
وقد جاء هذا الموقف من الصديق والفاروق لحكمة عالية، فلو قال عمر مقالة أبي بكر لكان شيئاً طبيعياً ينسب إلى شدة عمر وجرأته، لكنه أتى من صاحب القلب الرحيم الصديق ـ رضي الله عنه ـ ليعرف الجميع أن الأمر ليسد للشدة لذاتها، ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه. وكأن الموقف هو الذي صنع أبا بكر، وتطلب منه هذه الشدة التي تغلبت على طابع اللين السائد في أخلاقه. فيقول تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة .. "24" } (سورة الإسراء) إذن: الذلة هنا ذلة تواضع ورحمة بالوالدين، ولكن رحمتك أنت لا تكفي، فعليك أن تطلب لهما الرحمة الكبرى من الله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً "24" } (سورة الإسراء) لأن رحمتك بهما لا تفي بما قدموه لك، ولا ترد لهما الجميل، وليس البادئ كالمكافئ، فهم أحسنوا إليك بداية وأنت أحسنت إليهما رداً؛ لذلك ادع الله أن يرحمهما، وأن يتكفل سبحانه عنك برد الجميل، وأن يرحمهما رحمة تكافئ إحسانهما إليك. وقوله تعالى: {كما ربياني .. "24" } (سورة الإسراء)

كما: قد تفيد التشبيه، فيكون المعنى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيراً. أو تفيد التعليل: أي ارحمهما لأنهما ربياني صغيراً، كما قال تعالى: {واذكروه كما هداكم .. "198" } (سورة البقرة) و(ربياني) هذه الكلمة أدخلت كل مرب للإنسان في هذا الحكم، وإن لم يكن من الوالدين، لأن الولد قد يربيه غير والديه لأي ظرف من الظروف، والحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، فإن رباك غير والديك فلهما ما للوالدين من البر والإحسان وحسن المعاملة والدعاء. وهذه بشرى لمن ربى غير ولده، ولاسيما إن كان المربي يتيماً، أو في حكم اليتيم. وفي: {ربياني صغيراً "24" } (سورة الإسراء)

اعتراف من الابن بما للوالدين من فضل عليه وجميل يستحق الرد. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة الابن لأبويه مع معاملته لربه عز وجل، فيقول تعالى:(ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا "25" ) وقد سبق أن تكلمنا عن الإيمان والنفاق، وقلنا: إن المؤمن منطقي مع نفسه؛ لأنه آمن بقلبه ولسانه، وأن الكافر كذلك منطقي لأنه كفر بقلبه ولسانه، أما المنافق فغير منطقي مع نفسه؛ لأنه آمن بلسانه وجحد بقلبه.

وهذه الآية تدعونا إلى الحديث عن النفاق؛ لأنه ظاهرة من الظواهر المصاحبة للإيمان بالله، وكما نعلم فإن النفاق لم يظهر في مكة التي صادمت الإسلام وعاندته، وضيقت عليه، بل ظهر في المدينة التي احتضنت الدين، وانساحت به في شتى بقاع الأرض، وقد يتساءل البعض: كيف ذلك؟ نقول: النفاق ظاهرة صحية إلى جانب الإيمان؛ لأنه لا ينافق إلا القوي، والإسلام في مكة كان ضعيفاً، فكان الكفار يجابهونه ولا ينافقونه، فلما تحول إلى المدينة اشتد عوده، وقويت شوكته وبدأ ضعاف النفوس ينافقون المؤمنين. لذلك يقول أحدهم: كيف وقد ذم الله أهل المدينة، وقال عنهم: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق .. "101"} (سورة التوبة)

نقول: لقد مدح القرآن أهل المدينة بما لا مزيد عليه، فقال تعالى في حقهم: {والذين تبوؤا الدار والإيمان .. "9" } (سورة الحشر) وكأنه جعل الإيمان محلاً للنازلين فيه. {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .. "9"} (سورة الحشر)

فإن قال بعد ذلك: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق .. "101"} (سورة التوبة) فالنفاق في المدينة ظاهرة صحية للإيمان؛ لأن الإيمان لو لم يكن قوياً في المدينة لما نافقه المنافقون. ومن هنا جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار، لأنه مندس بين المؤمنين كواحد منهم، يعايشهم ويعرف أسرارهم، ولا يستطيعون الاحتياط له، فهو عدو من الداخل يصعب تمييزه. على خلاف الكافر، فعداوته واضحة ظاهرة معلنة، فيمكن الاحتياط له وأخذ الحذر منه. ولكن لماذا الحديث عن النفاق ونحن بصدد الحديث عن عبادة الله وحده وبر الوالدين؟

الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعطينا إشارة دقيقة إلى أن النفاق كما يكون في الإيمان بالله، يكون كذلك في بر الوالدين، فنرى من الأبناء من يبر أبويه نفاقاً وسمعة ورياءً، لا إخلاصاً لهما، أو اعترافاً بفضلهما، أو حرصاً عليهما. ولهؤلاء يقول تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم .. "25" } (سورة الإسراء) لأن من الأبناء من يبر أبويه، وهو يدعو الله في نفسه أن يريحه منهما، فجاء الخطاب بصيغة الجمع: (ربكم) أي: رب الابن، ورب الأبوين؛ لأن مصلحتكم عندي سواء، وكما ندافع عن الأب ندافع أيضاً عن الابن، حتى لا يقع فيما لا تحمد عقباه. وقوله: {إن تكونوا صالحين .. "25" } (سورة الإسراء) أي: إن توفر فيكم شرط الصلاح، فسوف يجازيكم عليه الجزاء الأوفى. وإن كان غير ذلك وكنتم في أنفسكم غير صالحين غير مخلصين، فارجعوا من قريب، ولا تستمروا في عدم الصلاح، بل عودوا إلى الله وتوبوا إليه.

{فإنه كان للأوابين غفوراً "25"} (سورة الإسراء) والأوابون هم الذين اعترفوا بذنوبهم ورجعوا تائبين إلى ربهم. وقد سبق أن أوضحنا أن مشروعية التوبة من الله للمذنبين رحمة من الخالق بالخلق؛ لأن العبد إذا ارتكب سيئة في غفلة من دينه أو ضميره، ولم تشرع لها توبة لوجدنا هذه السيئة الواحدة تطارده، ويشقى بها طوال حياته، بل وتدعوه إلى سيئة أخرى، وهكذا يشقى به المجتمع. لذلك شرع الخالق سبحانه التوبة ليحفظ سلامة المجتمع وأمنه، وليثري جوانب الحياة فيه.

ثم يوسع القرآن الكريم دائرة القرابة القريبة وهي "الوالدان" إلى دائرة أوسع منها، فبعد أن حنّنه على والديه لفت نظره إلى ما يتصل بهما من قرابة في الآيات التالية في السورة.

المصدر : من خواطر فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي