المأمون والهرم الأكبر




لقرون طويلة ظلت أهرمات الجيزة تثير حيرة وفضول جميع من زاروا مصر، وكيف لا يثير هذا البناء العظيم أعجاب أي شخص ويلهب فضوله لمعرفة ما يشتمل عليه من أسرار وكوامن. لاسيما وأن أهل مصر تعلموا بالتجربة بأن الفراعنة كانوا يدفنون كنوزهم مع موتاهم. وهكذا أصبحت تلك الخبايا الفرعونية النفيسة صيدا ومطلبا وغرضا للصوص المقابر الذين ساهموا على مدار آلاف 
السنين في تدمير معظم الآثار المصرية للآسف. إضافة طبعا إلى التدمير الحاصل بسبب استخدام أحجار الأهرام والمعابد الفرعونية في بناء المدن والأسوار والقلاع الجديدة في طول مصر وعرضها خلال الحقب التاريخية المختلفة. فبعض الرحالة القدماء ذكروا في كتبهم بأن الجيزة كانت مليئة بالأهرام الصغار التي كانت تتناثر حول وإلى جوار الأهرامات الكبيرة، لكنها اختفت على يد الحجارين الذين استسهلوا استعمال أحجارها الجاهزة عوضا عن اقتلاع وجلب الحجر من المقالع. ولولا عظمة الأهرامات الثلاثة واستعصاءها على معاول وأزاميل اللصوص والمخربين لزالت هي الأخرى مع ما زال وخرب من آثار مصر وعجائبها.

أهرام الجيزة ظلت عصية على الطامعين والباحثين والداخلين إلى جوفها حتى قدم الخليفة العباسي المأمون إلى مصر في عام 217 هـ لإخماد ثورة المصريين الذين أرهقتهم الضرائب الفادحة وأغضبهم جور الولاة وتعسفهم. وسرعان ما أثار الهرم فضول المأمون وسحر خياله إلى أقصى درجة، فالخليفة كان معروفا بحبه للعلم والاكتشاف، وقد زاد من فضوله ما سمعه من عامة الناس في مصر من قصص وأساطير حول  الكنوز والنفائس المخبأة داخل الهرم، فعقد العزم على قيادة حملة كبيرة لاكتشاف خبايا وأسرار هذا الصرح الحجري العظيم. ودعوني هنا أقتبس لكم من كتاب الأستاذ راجي عنايت الموسوم "الهرم وسر قواه الخارقة" من أجل تتبع مسار الحملة وما توصلت إليه في النهاية، حيث كتابة يقول :

"وفي عام 820 ميلادية ، وصل إلى علم الخليفة المأمون نبأ وجود كنوز عظيمة ومحتويات لا تقدر بثمن مدفونة داخل الهرم ، فنظم المأمون حملة تضم المهندسين والمعماريين والبنائيين ونحاتي الأحجار. تواصل بحث الحملة لأيام طويلة عن مدخل للهرم على امتداد جوانبه الملساء. وعندما فشلت الحملة في العثور على مثل هذا المدخل قررت أن تحفر مباشرة في الأحجار الصخرية التي تشكل جسم الهرم. لكن المطارق والأزاميل لم تنجح في خدش البناء المنيع. ولم ترض الحملة بهذه الهزيمة ، فعمدوا إلى تسخين جانب من أحجار الهرم حتى توهجت احمرارا ثم صبوا عليها الخل البارد حتى نجحوا في إحداث شق في الأحجار ثم استخدموا آلة الكبش ، وهي آلة حربية قديمة كانت تستخدم في هدم الأسوار ، وقد نجحت هذه الآلة في تكسير الأحجار التي كانت مقاومتها قد ضعفت".

ويمضي الكتاب ليحدثنا عن دخول رجال المأمون إلى الهرم وعن المجهود الخارق والمخيف الذي بذلوه داخل الممرات والدهاليز المظلمة التي لم تطأها قدم إنسان منذ آلاف السنين
(وقد أعرضنا عن ذكر ذلك خشية التطويل والإسهاب) حتى وصلوا في نهاية المطاف إلى حجرة الدفن الرئيسية، وهنا دعونا نعود مرة أخرى إلى الأستاذ عنايت ليصف لنا ما عثرت عليه الحملة في تلك الحجرة الغامضة :

"وجد رجال المأمون أنفسهم داخل حجرة كبيرة حوائطها وأرضها مصنوعة من الحجر الجرانيتي الأحمر المصقول. كان طول الحجرة 34 قدما وعرضها 17 قدما وارتفاعها 19 قدما وهي الحجرة التي تعرف حاليا بأسم حجرة الملك.

 أخذ الرجال يبحثون بجنون في أرجاء الحجرة عن الكنز الذي جاءوا من اجله ، فوجدوا الحجرة لا تضم سوى تابوت مصقول بمهارة من حجر الجرانيت البني الداكن. ويقال أن المأمون ، خوفا من ثورة رجاله من أفراد الحملة ، قد أوعز إلى احدهم أن يضع بعض القطع الذهبية في إحدى الحجرات ، بحيث يكتشفها أفراد الحملة أثناء بحثهم ، فتكون بمثابة التعويض لهم عن جهدهم إذا لم يسفر التنقيب داخل الهرم عن شيء. على كل حال كانت هذه هي نهاية أول محاولة لاكتشاف سر الهرم".

"وفي أحد هذين الهرمين مدخل يلجه الناس يفضي بهم إلى مسالك ضيقة وأسراب متنافذة وآبار ومهالك وغير ذلك مما يحكيه من يلجه و يتوغله ، فأن ناسا كثيرين لهم غرام به وتخيل فيه فيوغلون في أعماقه ولابد أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه ، وأما المسلوك فيه المطروق كثيرا فزلاقه تفضي إلى أعلاه فيوجد فيه بيت مربع فيه ناووس من حجر ، وهذا المدخل ليس هو المتخذ له في أصل البناء وإنما هو منقوب نقبا صودف اتفاقا ، وذكر أن المأمون هو الذي فتحه".

طيب قد تسأل عزيزي القارء ما علاقة كل ما ذكرناه أعلاه بلعنة الفراعنة ؟.

والجواب يكمن في وفاة الخليفة المأمون، المكتشف الأول للهرم، وهو أمر أثار دهشتي وجلب انتباهي بالرغم من أني لم اسمع أحدا قد تطرق لهذا الموضوع سابقا عند حديثه عن لعنة الفراعنة، فالمأمون كان قد دخل الهرم مع رجاله عام 217 هـ ولم يعش بعد ذلك سوى لأقل من سنة، فقد مات عام 218 هـ بصورة لا تقل غرابة عن موت اللورد كارنافون.

يقول الطبري في وفاته :

"ذكر عن سعيد العلاف القارئ قال أرسل إلي المأمون وهو ببلاد الروم (تركيا) وكان دخلها من طرسوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة فحملت إليه وهو في البدندون (نهر) فكان يستقرئني فدعاني يوما فجئت فوجدته جالسا على شتاطئ البدندون وأبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه فأمرني فجلست نحوه منه فإذا هو وأبو إسحاق مدليان أرجلهما في ماء البدندون فقال يا سعيد دل رجليك في هذا الماء وذقه فهل رأيت ماء قط أشد بردا ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه ففعلت وقلت يا أمير المؤمنين ما رأيت مثل هذا قط قال أي شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه فقلت أمير المؤمنين أعلم فقال رطب الآزاذ فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لجم البريد فالتفت فنظر فإذا بغال من بغال البريد على أعجازها حقائب فيه الألطاف فقال لخادم له اذهب فانظر هل في هذه الألطاف رطب فأنظره فإذا كان أزاد فآت به فجاء يسعى بسلتين فيهما رطب آزاد كأنما جني من النخل تلك الساعة فأظهر شكرا لله تعالى وكثر تعجبنا منه فقال ادن فكل فأكل هو وأبو إسحاق وأكلت معهما وشربنا جميعا من ذلك الماء فما قام منا أحد إلا وهو محموم فكانت منية المأمون من تلك العلة ولم يزل المعتصم عليلا حتى دخل العراق ولم أزل عليلا حتى كان قريبا".

طبعا قد يقول قائل بأن اللعنة ترتبط بالمومياءات وليس بالقبور .. هذا صحيح .. لكن الفراعنة لم يعلقوا لعناتهم على صدور مومياءاتهم وإنما نقشوها على جدران المقابر التي ضمت أجساد تلك المومياءات، والهرم كما نعلم جميعا كان مقدرا له أن يكون قبرا للفرعون خوفو، بغض النظر عن حقيقة دفنه فيه من عدمها، وعليه فأن الكهنة القدماء لابد من أنهم بثوا لعناتهم وطلاسمهم في أرجاء الهرم لتصيب الأشخاص الذين ينتهكون حرمته. وهنا قد يحتج أحدهم قائلا بأن الهرم زاره ملايين الناس خلال القرون الخالية وحتى يومنا هذا فلماذا لم تصبهم اللعنة، والجواب 

ببساطة هو أن اللعنة غالبا ما تكون مصممة لتصيب أول شخص ينتهك حرمة القبر وليس جميع الناس، فعلى سبيل المثال، يقال بأن أحد المنقبين الألمان في مصر في أواخر القرن التاسع عشر عثر على قبر أحد الكهنة المصريين القدماء، كان القبر يحتوي في داخله على ناووس مفتوح وفي جوفه تقبع مومياء فرعونية، وبجانب الناووس على الأرض تمدد هيكل عظمي لإنسان كانت جمجمته مهشمة بالكامل والى جواره يقبع حجر كبير. المنقب الألماني شعر بالدهشة ولم يفهم سبب وجود هذا الهيكل العظمي إلى جوار ناووس المومياء، لكنه سرعان ما أكتشف حقيقة ما جرى، فعلى الناووس كانت هناك كتابة هيروغليفية تقول : "كل من ينتهك حرمة هذا الميت ستسحق رأسه" .. أنها لعنة .. لعنة فرعونية قديمة لم يستطع لص المقابر البسيط قراءتها حينما دخل القبر لأول مرة قبل قرون عديدة، وهو لم يكن مهتما أصلا بقراءتها، إذ جاء طامعا بالذهب والجواهر فقط، لهذا لم يتردد لحظة في تنحية غطاء الناووس عن المومياء ثم مد يده ليسرق حليها وزينتها الذهبية، لكن قبل أن تصل يده إلى غايتها .. سقط على رأسه حجر من سقف القبر فهشمه بالكامل ليسقط اللص سريعا في الحال إلى جوار المومياء التي جاء ليسرقها!.....